من هو الشخص الذي لا تقبل توبته؟ باب التوبة في الإسلام مفتوحٌ على مصراعيه، ورحمة الله واسعةٌ لا تضيق بذنبٍ مهما عَظُم. ولكن، وردت في النصوص الشرعية بعض الحالات التي لا تُقبل فيها التوبة، وجميعها تتعلق بفوات وقتها، وليس بنوع الذنب نفسه.
من هو الشخص الذي لا تقبل توبته
أوضحت الأحاديث النبوية أن قبول التوبة مستمرٌّ ما لم تبلغ الروحُ الحلقوم وتُشْرِف النفسُ على الخروج. فعندما يصل الإنسان إلى هذه اللحظة الحرجة التي يُعايِن فيها المَلَك ويُحشرج في صدره، وتضيق به نفسه، فإن باب التوبة يُغلق في وجهه عندها. وهذا هو المعنى الذي أشار إليه بعض المفسرين في قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا)، فهذه توبةٌ لا تنفع لأنها جاءت وقت اليأس والقبض.
الكفر بعد الإيمان مع الاستمرار والإصرار
جاء في كتاب الله: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ).
يفسر العلماء هذه الآية بأنها تشير إلى حال الكفار الذين كفروا وماتوا على كفرهم، أو الذين ازدادوا كفراً وإصراراً حتى أدركهم الموت. أما من كفر ثم تاب وعاد إلى الإسلام قبل أن يغرغر، فإن توبته مقبولة بإذن الله، وهذا ما أجمع عليه أهل العلم.
التوبة بعد رؤية آيات العذاب
ورد في السنة النبوية أن بعض أنواع التوبة لا تُقبل في أوقاتٍ مخصوصة، كما في الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسُطُ يدَه باللَّيلِ ليتوبَ مسيءُ النَّهارِ، ويبسُطُ يدَه بالنَّهارِ ليتوبَ مسيءُ اللَّيلِ، حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغرِبِها”. فإذا طلعت الشمس من مغربها، وهي علامة من علامات الساعة الكبرى، أُغلق باب التوبة.
ماذا عن تكرار الذنب ثم التوبة منه؟
قد يتساءل البعض: “ماذا لو تبتُ من ذنبٍ ثم عدتُ إليه، فهل تُقبل توبتي مرة أخرى؟”.
الجواب من فتاوى كبار العلماء، كالشيخ ابن باز رحمه الله، هو: نعم. فإذا كان العبد صادقاً في توبته، نادماً على ما مضى، مُقلِعاً عن الذنب، عازماً على ألا يعود، فإن الله يقبل توبته وإن تكرر ذلك منه مراراً. فكلما تاب، تاب الله عليه، ولا يُغلق باب التوبة في وجه من يرجع إليه مخلصاً.
أما الحديث الذي قد يُثار حول شارب الخمر الذي “لا تُقبل توبته” في المرة الرابعة، فهو يُفهم -والله أعلم- على أنه وعيد شديد لمن يصر على هذا الذنب ويستخف بحرمته، أو أنه إشارة إلى عقوبة خاصة في الآخرة، ولا يعني إطلاقاً أن باب التوبة يُغلق في وجهه. فالله تعالى يقول: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا).
الخلاصة أن الشخص الذي لا تُقبل توبته هو الذي يُؤخرها حتى لحظة خروج الروح (الغرغرة)، أو الذي يكفر ويموت على كفره، أو من تحل به علامات الساعة الكبرى. أما المسلم الذي يُذنب ثم يتوب صدقاً، فإن باب التوبة مفتوحٌ له مهما تكرر منه الذنب، ما دامت روحه في جسده ولم تطلع الشمس من مغربها.









